تفخر شبه الجزيرة الإيطالية برموزها ومآثرها ومعالمها العريقة، فمن منا لا يعرف مدرج الكولوزيوم أو كاتدرائية سيستيني أو برج بيزا المائل أو نافورة تريفي أو حتى دار أوبرا سكالا وبقايا مدينة بومبي الرومانية. كما تزخر البلاد بكم هائل من أبرز لاعبي مركز قلب الدفاع الذين شهدتهم كرة القدم العالمية على مر العصور، بدءاً بجاتشينتو فاكيتي ومروراً بأنتونيو كابريني وجيوسيبي بيرجومي، ثم انتهاء بالأسطورة باولو مالديني.

وهناك العديد من القواسم المشتركة بين هؤلاء الأربعة الذين كتبوا أسماءهم بأحرف من ذهب في سجلات كرة القدم الإيطالية والعالمية على حد سواء. فكلهم ضمنوا مقاعدهم في التشكيلات الرسمية مع أنديتهم قبل بلوغ سن العشرين، كما استهلوا مسيرتهم مع المنتخب الوطني وهم في ريعان شبابهم، ثم تواصل مشوارهم الدولي على مدى سنوات طويلة، قبل أن يعتزلوا اللعب مدافعين عن ألوان أعرق أندية الكالتشيو بعدما خلّدوا أسماءهم ضمن قائمة أبرز رموز الملاعب الإيطالية. وباستثناء كابريني (1.78م)، كان كل من فاكيتي وبيرجومي ومالديني يتميزون بطول قامتهم وقدرتهم الخارقة على التوفيق بين مركز قلب الدفاع والإضطلاع بدور الليبرو.

ويبدو أن مدافع إنتر ميلان دافيد سانتون (19 عاماً) يسير بخطى ثابتة على هدي هذا الرباعي الخالد. فبفضل قامته الفارعة التي يبلغ طولها 1.87م، أثبت ابن قلعة النيرازوري براعته الدفاعية وقدرته الخارقة على شن الهجمات المعاكسة، مما سمح له بخوض أول مباراة دولية له رفقة منتخب الكبار قبل عام من الآن، ليصبح بذلك واحداً من أبرز المرشحين لسرقة الأضواء في نهائيات كأس العالم جنوب أفريقيا 2010 FIFA.

بداية المشوار
اكتشف عشاق الساحرة المستديرة سنة 2007 الشرارة الأولى لتوهج سارتور في سماء الملاعب الإيطالية، أي بعد مضي سنتين عن انتقاله من رافينا إلى قلعة الإنتر. وقد سطع نجمه في صفوف فريق الشباب عندما كان يلعب في مركز الجناح الأيمن، لكن أول مشاركة له مع تشكيلة جوزيه مورينيو كانت ضمن موقعة ربع نهائي كأس إيطاليا أمام حامل اللقب روما، حيث شغل مركز الظهير الأيسر بعد مرور 19 يوماً فقط على إطفاء شمعته الثامنة عشرة.

وبعد فوز الإنتر 2-1 على عملاق العاصمة، ضمن سانتون ثقة المدير الفني البرتغالي بفضل مهارته العالية وانضباطه الكبير ونضجه التكتيكي المذهل، حيث وقع عقده الإحترافي مع النادي بعد مرور يومين فقط على ذلك الإنتصار. لكن اختباره الأول ضمن منافسات دوري الدرجة الأولى لم يشهد نفس القدر من النجاح، إذ مُني سانتون وباقي نجوم الإنتر بالهزيمة 1-0 على يد سامبدوريا العنيد.

إلا أن المحك الحقيقي كان ما يزال ينتظره، حيث تزامنت بدايته ضمن دوري أبطال أوروبا UEFA مع موقعة ثمن النهائي أمام حامل اللقب مانشستر يونايتد، حيث أنيطت به مسؤولية جسيمة تمثلت في إيقاف هجمات كتيبة أليكس فيرجيسون وإبطال مفعول نجمه الذهبي كريستيانو رونالدو، المنتشي بإحراز جائزة FIFA لأفضل لاعب في العالم 2008، وهو الذي يشكل كابوساً مرعباً لأفضل المدافعين وأكثرهم خبرة وتجربة على الإطلاق.

لكن سانتون تمكن من اجتياز الاختبار بنجاح باهر، بل وتفوق على النجم البرتغالي بشهادة هذا الأخير، حيث عجز رونالدو عن إيجاد أية ثغرة في صخرة دفاع النيرازوري بفضل تمركز سانتون ونديته ورباطة جأشه، لتنتهي المباراة بالتعادل السلبي على أرضية سان سيرو. وفي أعقاب المباراة، علق هداف الشياطين الحمر على أداء النجم الإيطالي الصاعد بالقول: "لقد أدهشني المستوى الذي ظهر عليه سانتون، إنه شاب يعد بالكثير، فلا شك أنه يملك موهبة عالية تؤهله لأن يصبح لاعباً بارعاً في المستقبل."

كما حاز دافيد على إعجاب مدربه كذلك، حيث احتفظ به مورينيو في تشكيلته حتى نهاية موسم 2008/2009، ورغم أن الإنتر انهزم في إياب تلك الموقعة الأوروبية على أرضية أولد ترافورد، إلا أنه واصل زحفه بثبات في الدوري الإيطالي ليحصد اللقب في الأخير بفارق مريح عن أقرب مطارديه، علماً أن سانتون قد لعب دوراً محوريا في تتويج أبناء قلعة النيرازوري بفضل براعته في قراءة إيقاع وتكتيك المباريات إضافة إلى مساهمته البناءة في شن الهجمات المعاكسة ومشاركته في إدارة اللعب من خلال انتقاله للتمركز في الظهير الأيسر بشك مسترسل.

وبعدما كسب ثقة مدربه البرتغالي وساهم في صنع نجاح الإنتر، حاز سانتون أخيراً على إعجاب مارتشيلو ليبي، المدير الفني للمنتخب الإيطالي، والذي وجه له الدعوة لخوض أول مباراة دولية له عن عمر لا يتجاوز 18 ربيعاً، حيث شارك في الموقعة التي انتهت بالتعادل 1-1 أمام منتخب أيرلندا الشمالية، قبل أن يحزم حقائبه رفقة باقي نجوم الأزوري لخوض أول تجربة له في إحدى أكبر بطولات كرة القدم العالمية على الإطلاق، حيث انضم إلى التشكيلة الإيطالية المسافرة إلى جنوب أفريقيا لدخول غمار منافسات كأس القارات 2009 FIFA.

ورغم أن الإصابة حالت دون مشاركته في أية مباراة، إلا أن أداءه في الحصص التدريبية كان كافياً لكي يكيل له ليبي كل عبارات المدح والثناء، حيث أكد مدرب الأزوري في أحد تصريحاته الصحفية أن سانتون "لاعب متميز وينتظره مستقبل مشرق، إذ يذكرني بالأسطورة باولو مالديني عندما كان في ريعان شبابه."

وعلى ذكر مالديني، فقد أوضح سانتون أنه تعود على سماع العديد من المقارنات بينه وبين قائد الميلان المعتزل، حيث صرح قائلاً: "يقول العديد من الناس أني سأكون خليفة مالديني، ورغم أني أرى في تلك التعليقات ضرباً من المبالغة، إلا أني أفرح كثيراً لسماعها، إذ أتمنى أن تكون مسيرتي بنفس القدر من التألق والنجاح الذي ميز مشواره الحافل."

بيد أن أداء سانتون شهد بعض التراجع منذ انطلاق منافسات الموسم الحالي، إذ فقد مقعده في تشكيلة إنتر ميلان الأساسية، علماً أنه خضع لعملية جراحية في ركبته بعد تعرضه لإصابة بليغة خلال مشاركته مع منتخب إيطاليا تحت 21 سنة شهر نوفمبر/تشرين الثاني. وفور عودته إلى مداعبة الكرة، استرجع ابن التاسعة عشرة تألقه المعهود الذي جعله يُقارن مع أعظم المدافعين الذين أنجبتهم الملاعب الإيطالية، حيث عاد بقوة ليجد لنفسه موطئ قدم في كتيبة المحاربين الإحدى العشر الذين يقع عليهم اختيار مورينيو لبدء المباريات.

وقد أثنى الداهية البرتغالي على ابنه المدلل في أحد تصريحاته الصحفية، مؤكداً أنه "لاعب ممتاز وسيصبح مثل فاكيتي أو زانيتي أو مالديني بعد 10 أو 15 سنة، إذ سيكون قد لعب آنذاك حوالي 200 أو 300 مباراة بقميص الإنتر." وتابع مورينيو قائلاً: "إنه الآن يلعب في مركز الظهير الأيسر، لكني أعتقد أنه ظهير أيمن قادر على اللعب في الوسط. إن تعدد مواهبه ومهاراته سيلعب دوراً حاسماً في مسيرته الكروية."

وربما يكون تعدد المواهب وتنوع المراكز سبباً كافياً لجعل مارتشيلو ليبي يضع دافيد سانتون ضمن التشكيلة النهائية التي ستسافر إلى جنوب أفريقيا شهر يونيو/حزيران القادم لخوض غمار أول عرس كروي عالمي على أرض القارة السمراء. وإذا تحقق ذلك، فإن أول ما سيقوم به النقاد والمرابقون، من دون شك، هو إضافة اسم النجم الإيطالي إلى خانة أكبر المرشحين لنيل جائزة Hyundai لأفضل لاعب واعد في نهائيات جنوب أفريقيا 2010 FIFA.